القرطبي
109
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ يتجلى ربنا عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه ، فيخرون له سجدا ، فيقول ارفعوا رءوسكم فليس هذا بيوم عبادة ] قال الثعلبي : وقول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شئ من خلقه ، فتأويل مدخول ، لان العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا نظرته ، كما قال تعالى : " هل ينظرون إلا الساعة " [ الزخرف : 66 ] ، " هل ينظرون إلا تأويله " [ الأعراف : 53 ] ، و " ما ينظرون إلا صيحة واحدة " [ يس : 49 ] وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا : نظرت فيه ، فأما إذا كان النظر مقرونا بذكر إلى ، وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان . وقال الأزهري : إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربها خطأ ، لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار ، وإن قول القائل : نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين ، كذلك تقوله العرب ، لأنهم يقولون نظرت إليه : إذا أرادوا نظر العين ، فإذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته ، قال : فإنكما إن تنظراني ساعة * من الدهر تنفعني لدى أم جندب لما أراد الانتظار قال تنظراني ، ولم يقل تنظران إلي ، وإذا أرادوا نظر العين قالوا : نظرت إليه ، قال : نظرت إليها والنجوم كأنها * مصابيح رهبان تشب لقفال ( 1 ) وقال آخر : نظرت إليها بالمحصب من منى * ولي نظر ( 2 ) لولا التحرج عارم وقال آخر : إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر أي إني أنظر إليك بذل ، لان نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسؤول ، فأما ما استدلوا به من قوله تعالى : " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " [ الانعام : 103 ] فإنما ذلك
--> ( 1 ) تشب : توقد . والقفال جمع قافل وهو الراجع من السفر . البيت من قصيدة لامرئ القيس . ( 2 ) في نسخ الأصل نظرة والصواب ما ذكرنا كما في ديوان قائله وهو عمر بن ربيعة .